الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

37

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

نوع من أنواع العلائق المقررة وهو ظاهر لمن تأمّل في الاستعمالات الجارية بحيث لا يعتبر به شبهة وما تصدوا له من أنواع حصر العلائق في الوجوه المذكورة في كتبهم فإنما هو مبني على الغالب ولذا وقع الاختلاف في تعدادها بحسب اختلافهم في كثرة التتبع في أصناف المجاز وقلته من غير بيانهم على وقوع اختلاف في ذلك فملاحظة تلك الخصوصيات غير معتبرة في صحة التجوز أصلا وإنما الملحوظ فيها هو ما ذكرنا فهو المناط في الترخيص وانطباقه على تلك الخصوصيات من قبيل الاتفاق من غير اعتبار في الترخيص لخصوص الجهات ولذا وقع الاختلافات في إرجاع بعضها إلى البعض واقتصر جماعة على عدّة من العلائق بإرجاع الباقي إليها والحق كما عرفت إرجاع الجميع إلى أمر واحد وهو ما قررناه كيف ولو كان المصحح للاستعمال هو خصوص العلائق المقررة كما هو قضية ما ذكروه لكان الملحوظ حين الاستعمال إدراج العلاقة الحاصلة في خصوص المقام في واحد منها ليصح الإقدام على استعماله نظرا إلى إناطة الترخيص به ومن المعلوم خلافه ولصح استعمال المجاز كليا مع حصول واحد منها مع أنه بين الفساد إذ لا يصح التجوز في كثير من الأمثلة مع حصول نوع العلاقة المعروفة ولو مع حصول الشرط الذي اعتبروه في بعضها كاستعمال الجزء في الكل ولذا قال قد يصح الاستعمال مع انتفاء ما اعتبروه من الشرط كاستعمال اليد في الإنسان كما في الحديث المشهور على اليد ما أخذت حتى تؤدّي مع أنها لا ينتفي الكل بانتفائها ويصح استعمال مجاز بعينه في مقام دون آخر كما في المثال المذكور واستعمال الرّقبة في الإنسان فإنه إنما يصح فيها تعلق به الرّق أو العتق ونحوهما لا في ما سوى ذلك كأن يقول رأيت رقبته أو زرت رقبة ونحوهما فظهر أنه إنما يدور الأمر في كل من العلائق مدار ما قلناه والقول بأن الترخيص الحاصل في المجازات مقتض لصحّة الاستعمال وليس علة تامة في ذلك كما في أوضاع الحقائق وحصول المقتضي إذا قارن وجود المانع أعني نفيهم من الاستعمال في خصوص بعض المعاني لم يعمل عمله فلا مانع من عدم اطراد العلائق وعدم جواز الاستعمال مع وجودها مدفوع بأنه لا حاجة إلى التكلّف المذكور مع أن الظاهر من ملاحظة موارده عدم حصول المقتضي لصحة الاستعمال هناك حيث إنه لا فارق بينها وو بين المعاني التي ليست بينها وبين المعاني الحقيقة مناسبة ظاهرة كما هو ظاهر بعد ملاحظة العرف لا أن المقتضي لصحة الاستعمال موجود هناك وإنما يمنع عنها وجود المانع وقد يحتج للقول باعتبار نقل الآحاد تارة بأنه ما لم ينقل عن أهل اللسان خارج عن أهل اللغة لانحصارها في الحقيقة والمجاز غير المنقول ليس من الأوّل قطعا ولا من الثاني إذ المجاز اللغوي ما كان المتجوز فيه هو صاحب اللغة فيخرج حينئذ عن العربيّة فلا يصح استعماله فيه في تلك اللغة ويقتضي وجوده في القرآن بعدم كونه جميعه عربيّا وقد وصفه تعالى بكونه عربيا الظاهر في كونه كله عربيا وتارة بأنه لو لم يحتج إلى نقل الآحاد لما ذكروا لمعاني المجازية في كتب اللغة واقتصروا على بيان المعاني الحقيقية مع أنهم لا زالوا يذكرون المجازات حسبما يذكرون الحقائق وأنت خبير بوهن الوجهين أما الأوّل فبأن استعمال المجاز لما كان عن ترخيص الواضع صحّ اندراجه في العربي لما عرفت من كون ذلك نحوا من الواضع وأيضا يكفي في اندراجه في العربية وقوعه من أتباع أهل اللّسان ألا ترى أن الحقائق العرفية العامة والخاصة غير خارجة عن اللّسان العربي مع أن الاستعمال هناك من جهة الوضع الخاص المغاير لوضع اللغة بل وكذا الحال في المرتجلات مع عدم ملاحظة مناسبتها للمعاني اللغوية ليحصل لها بذلك نوع تبعيته لواضع اللغة وأمّا الثاني فبأن ذكر المعاني المجازية ليس لاستقصاء المجازات حتى لا يصح استعمال مجاز غيرها كما هو شأنهم في بيان معاني الحقيقية بل إنما يذكرون المعاني الدائرة بين الحقيقية والمجاز لاحتمال كونها من الحقيقية ويشيرون إلى المجازات المتداولة عند أهل اللغة أو المجازات الخفية مما يكون العلائق فيها غير واضحة ليكون باعثا على سهولة الخطب في معرفة المعاني المستعملة فيها في الإطلاقات الواقعة للآيات القرآنية المأثورة من الأشعار والخطب والرّسائل ونحوها فإن في ذكرها توضيحا لتفسيرها كما لا يخفى في حجة القائل باعتبار النقل في أنواع العلائق ووقوع الترخيص بالنّسبة إلى كل نوع منها من غير حاجة إلى نقل آحاد المجاز أما على عدم التوقف إلى نقل الآحاد فيما يقرب مما ذكرناه في حجة ما اخترناه وأمّا على اعتبار نقل النوع فبعدم جواز التعدي عن مقتضى الوضع ولزوم الاقتصار في الاستعمال على حسب ما عينه الواضع إنما يجوز التعدي عنه بعد ترخيصه وإجازته لكونه أيضا نحوا من الوضع فلا بد أيضا من الاقتصار في الاستعمال فيه على القدر الذي قامت عليه الشواهد من النقل وثبت الترخيص فيه لانتباء الأمر في باب الألفاظ على التوقيف والقدر الثابت من الترخيص هو ما ذكرناه فلا بد من الاقتصار عليه ولا يخفى وهنه بعد ملاحظة ما أشرنا إليه على أنه قد يقال أن ذلك يتم إذا كان التصرف في المجاز بإطلاق اللفظ من أوّل الأمر على ما وضع بإزائه فإن ذلك خروج عن مقتضى الوضع متوقف على ترخيص الواضع حسبما ذكروا أمّا إذا كان التصرف فيه بواسطة إرادة معناه الحقيقي والانتقال منه إلى المعنى المجازي كما مر القول فيه فلا حاجة فيه إلى الترخيص إذ ليس ذلك تصرفا في اللفظ ويشكل بأن ذلك أيضا نحو من التصرف في اللفظ حيث إن المقصود منه حقيقة غير معناه الحقيقي وإن جعل إرادة معناه الحقيقي واسطة في الانتقال إليه وقد يناقش فيه بأنه إنما يتم إذا قلنا بكون الدلالة اللفظ على كون مدلوله هو المقصود بالإفادة من جهة الوضع وهو غير ظاهر وأما إن قلنا بدلالة ظاهر الحال عليه فلا حاجة في التعدي عنه إلى التوقيف بعد إرادة الموضوع له من اللّفظ وفيه أن المعاني الألفاظ وكيفية استعمالها فيها أمور توقيفية لا بد من الجري فيه على النحو المألوف والطريقة المتلقاة عن أهل اللغة وإلا لكان غلطا بحسب تلك اللغة وقد عرفت أن إرادة المعاني المجازية من اللفظ إنما يكون باستعمالها فيها وإن كان بتوسط إرادة معانيها الحقيقية فيتوقف جواز استعمالها كذلك على التوقيف حجة المفصّل أمّا على عدم الافتقار إلى نقل الآحاد فيما عرفت من عدم توقف استعمال المجازات في